ابو القاسم عبد الكريم القشيري

155

لطائف الإشارات

أرخى لهم ستر الإمهال فلمّا أصرّوا على تماديهم في الغواية حلّت بهم العقوبة ، وصاروا وكأن لم يكن بينهم نافخ نار ، ولا في ديار الظالمين ديّار ، قال تعالى : « فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ » قوله جل ذكره : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 96 إلى 98 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 96 ) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ( 97 ) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ( 98 ) كرّر قصة موسى عليه السلام تفخيما لشأنه ، وتعظيما لأمره ، وتنبيها على علوّ قدره عند اللّه وعلى مكانة الآيات التي أرسله بها ، ومعجزاته الباهرة ، وبراهينه القاهرة . . ويقال أصعب عدوّ قهره أولا نفسه ، وقد دله - سبحانه - على ذلك لمّا قال : إلهي ! كيف أطلبك ؟ فقال : عند المنكسرة قلوبهم من أجلى . فنبّهه إلى استصغاره لنفسه ، وانكساره للّه بقلبه ، فزادت صولته لما صار معصوما عن شهود فضل لنفسه ؛ والسلطان الذي خصّه به استولى على قلوب من رآه ، كما قال : « وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي » « 1 » فما رآه أحد إلا أحبّه ، ثم إنه لم يأخذه في اللّه ضعف ، مثلما لطم وجه فرعون - وهو رضيع - كما في القصة ، ولطم وجه ملك الموت لمّا طالبه بقبض روحه . . كما في الخبر ، وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه لمّا رجع من سماع الخطاب عند المعاتبة ، وأقدم بالجسارة على سؤال الرؤية ، وقتل القبطىّ لما استعان به من وافقه في العقيدة ، وقال للّه « إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ » « 2 » لمّا أخبره الحق بما عمله قومه من عبادة العجل بحكم الضلالة . . . ففي جميع هذا تجاوز اللّه عنه لما أعطاه من السلطان والقوة . قوله جل ذكره : فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ

--> ( 1 ) آية 39 سورة طه . ( 2 ) آية 155 سورة الأعراف .